من السهل أن تبدأ عادة صحية.
قد تبدأ المشي، أو تقلل الوجبات السريعة، أو تنظم نومك، أو تقرر ممارسة الرياضة عدة مرات في الأسبوع.
لكن التحدي الحقيقي لا يظهر في الأسبوع الأول.
التحدي هو: هل تستطيع الاستمرار بعد أشهر وسنوات؟
الأشخاص الذين يحافظون على صحتهم على المدى الطويل لا يمتلكون سرًا يمنع المرض، ولا توجد مجموعة من العادات تضمن للإنسان عمرًا طويلًا أو صحة مثالية.
لكن الأبحاث المتعلقة بالسلوك ونمط الحياة تشير إلى فكرة مهمة: الصحة طويلة المدى ترتبط بدرجة كبيرة بما يمكن للإنسان الاستمرار عليه، وليس بما يفعله بصورة مثالية لفترة قصيرة.
فما الذي يجعل بعض العادات تستمر، بينما تختفي عادات أخرى بعد أيام؟
السر الأول: لا يبنون صحتهم على الحماس
الحماس مفيد للبدء، لكنه متغير.
قد تستيقظ يومًا ولديك رغبة كبيرة في ممارسة الرياضة، وفي يوم آخر لا تشعر بذلك إطلاقًا.
إذا كانت العادة الصحية تعتمد بالكامل على وجود الدافع، فمن الطبيعي أن تصبح متقطعة.
لذلك يكون بناء نظام بسيط للحياة أكثر فائدة من انتظار الحماس.
فالشخص الذي خصص أيامًا محددة للمشي لا يحتاج كل مرة إلى اتخاذ قرار جديد.
والشخص الذي اعتاد وجود خيارات غذائية مناسبة في المنزل يقلل عدد القرارات التي يحتاج إلى اتخاذها عندما يشعر بالجوع.
الفكرة ليست أن تصبح شديد الانضباط طوال الوقت.
الفكرة أن تجعل السلوك الصحي أسهل في حياتك اليومية.
السر الثاني: يختارون عادات يمكنهم تحملها لسنوات
هناك فرق بين خطة تستطيع تنفيذها لمدة أسبوعين وخطة تستطيع العيش معها.
قد يكون النظام الغذائي شديد التقييد فعالًا في تغيير الوزن على المدى القصير لدى بعض الأشخاص، لكنه لا يصبح تلقائيًا أفضل خيار طويل المدى.
والأمر نفسه ينطبق على الرياضة.
برنامج تدريبي مرهق جدًا قد يبدو مثيرًا في البداية، لكن فائدته محدودة إذا أدى إلى التوقف بعد فترة قصيرة.
لذلك من الأسئلة المفيدة قبل تبني أي عادة:
هل أستطيع الاستمرار بهذه الطريقة بعد ستة أشهر؟
إذا كانت الإجابة لا، فقد تحتاج إلى تعديل الخطة بدل الاعتماد على قوة الإرادة وحدها.
السر الثالث: لا يحاولون أن يكونوا مثاليين
الصحة طويلة المدى لا تتطلب أن يكون كل يوم مثاليًا.
قد تفوتك جلسة رياضية، وقد تتناول وجبة مختلفة عما خططت له، وقد تنام متأخرًا في ليلة معينة.
المشكلة ليست في حدوث ذلك مرة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانقطاع الصغير إلى فكرة تقول: بما أن الخطة لم تعد مثالية، فلا فائدة من الاستمرار.
هذه النظرة تجعل خطأ واحدًا يتحول إلى توقف كامل.
أما النهج الأكثر واقعية فهو العودة إلى العادة في الفرصة التالية.
الاستمرارية لا تعني عدم الانقطاع أبدًا، بل تعني أن الانقطاع المؤقت لا يتحول إلى تخلي دائم.
السر الرابع: الحركة جزء من حياتهم وليست مشروعًا مؤقتًا
النشاط البدني لا يجب أن يبدأ وينتهي داخل النادي الرياضي.
المشي، وصعود الدرج، والحركة أثناء اليوم، والأعمال المنزلية، والرياضة المنظمة كلها يمكن أن تساهم في مستوى النشاط العام.
وتوصي منظمة الصحة العالمية البالغين عمومًا بممارسة ما بين 150 و300 دقيقة من النشاط الهوائي متوسط الشدة أسبوعيًا، أو ما يعادلها من النشاط الأعلى شدة، إلى جانب تمارين تقوية العضلات في يومين أو أكثر أسبوعيًا.
لكن هذه التوصيات ليست شرطًا يجب على المبتدئ تحقيقه منذ الأسبوع الأول.
إذا كان الشخص قليل الحركة، فزيادة النشاط تدريجيًا خطوة مفيدة، حتى قبل الوصول إلى المستوى الموصى به.
والأهم على المدى الطويل هو العثور على شكل من الحركة يناسب القدرة والحياة اليومية ويمكن تكراره.
وللبداية بصورة أبسط، اقرأ كيف تبدأ ممارسة الرياضة إذا كنت مبتدئًا؟
السر الخامس: يهتمون بالقوة وليس بالوزن فقط
من السهل أن يصبح الميزان هو المؤشر الوحيد للصحة.
لكن الجسم يحتاج إلى أكثر من وزن معين.
الحفاظ على القوة والقدرة على الحركة يصبح مهمًا بصورة خاصة مع التقدم في العمر.
وتمارين المقاومة تساعد على تدريب العضلات، كما أن النشاط البدني عمومًا يرتبط بفوائد صحية تتجاوز تغيير الوزن.
لهذا فإن السؤال ليس فقط: كم أصبح وزني؟
بل أيضًا: هل أتحرك بصورة منتظمة؟ هل أحافظ على قوتي؟ وهل أستطيع أداء أنشطتي اليومية بسهولة؟
السر السادس: نمطهم الغذائي أهم من الوجبة المثالية
لا توجد وجبة واحدة تجعل الإنسان صحيًا، كما أن وجبة واحدة لا تهدم نظامه الغذائي بالكامل.
ما يهم أكثر هو النمط الذي يتكرر عبر الوقت.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الغذائي الصحي يمكن أن يتخذ أشكالًا متعددة، وأن من مبادئه الأساسية الكفاية والتوازن والاعتدال والتنوع.
لذلك لا يحتاج النظام الغذائي الجيد إلى قائمة طويلة من الممنوعات.
الهدف هو بناء نمط يلبي احتياجاتك الصحية، ويعتمد في الأساس على أطعمة مغذية ومتنوعة، ويمكن الاستمرار عليه ضمن حياتك وثقافتك واحتياجاتك.
السر السابع: لا يتعاملون مع النوم كوقت يمكن التضحية به دائمًا
عندما تزدحم الحياة، يكون النوم أحيانًا أول ما يتم اختصاره.
لكن النوم جزء أساسي من الصحة.
معظم البالغين يحتاجون عادة إلى سبع ساعات أو أكثر من النوم بانتظام، مع وجود اختلافات فردية في الاحتياج.
ولا يتعلق النوم بعدد الساعات وحده، بل بانتظامه وجودته أيضًا.
والاهتمام بالنوم لا يعني أن الإنسان لن يسهر في أي ليلة، وإنما ألا يصبح الحرمان المستمر من النوم هو الوضع الطبيعي.
ولمعرفة كيفية بناء نوم أفضل، اقرأ النوم الصحي: الدليل الكامل لتحسين جودة النوم.
السر الثامن: يعرفون أن الصحة النفسية تؤثر في العادات
قد تعرف تمامًا ماذا ينبغي أن تأكل وكم ينبغي أن تتحرك، ومع ذلك تجد تنفيذ ذلك صعبًا عندما تكون تحت ضغط مستمر.
وهذا ليس غريبًا.
الضغوط النفسية قد تؤثر في النوم والتركيز والشهية والطاقة والسلوك اليومي، ولذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها موضوعًا منفصلًا تمامًا عن الصحة الجسدية.
الهدف أيضًا ليس إزالة كل التوتر من الحياة، فهذا غير واقعي.
الأفضل هو تطوير طرق مناسبة للتعامل معه والحصول على فترات للتعافي وطلب المساعدة عندما تصبح الضغوط أكبر من القدرة على إدارتها.
وللتوسع، اقرأ إدارة التوتر والضغوط اليومية بطرق علمية وعملية.
السر التاسع: يحافظون على العلاقات الاجتماعية
الصحة ليست طعامًا ورياضة ونومًا فقط.
العلاقات الاجتماعية الداعمة ترتبط بالصحة والرفاه، بينما ترتبط العزلة الاجتماعية والوحدة بمخاطر صحية مختلفة.
وهذا لا يعني أن الإنسان يحتاج إلى دائرة اجتماعية كبيرة.
قد تكون مجموعة صغيرة من العلاقات الجيدة أكثر أهمية من عدد كبير من العلاقات السطحية.
لذلك فإن تخصيص وقت للعائلة والأصدقاء والحفاظ على التواصل ليس شيئًا منفصلًا تمامًا عن العناية بالصحة.
السر العاشر: لا ينتظرون ظهور المشكلة دائمًا
جزء من الحفاظ على الصحة هو الوقاية.
لكن الوقاية لا تعني إجراء كل فحص متاح كل عام.
الفحوصات المناسبة تختلف بحسب العمر والجنس والتاريخ الصحي وعوامل الخطورة والتوصيات الطبية المعتمدة.
قد تشمل الرعاية الوقائية، بحسب حالة الشخص، قياس ضغط الدم وبعض الفحوصات والاستقصاءات الوقائية والتطعيمات المناسبة.
الفكرة هي عدم الاعتماد على الشعور بأن كل شيء بخير باعتباره بديلًا عن الرعاية الوقائية المناسبة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي إجراء فحوصات عشوائية دون داعٍ لمجرد الاطمئنان.
السر الحادي عشر: يعدلون عاداتهم عندما تتغير حياتهم
الخطة الصحية التي تناسب شخصًا في العشرين قد لا تكون الخطة نفسها التي تناسبه في الخمسين.
وقد تتغير الظروف بسبب العمل أو الأسرة أو العمر أو الإصابة أو المرض أو المسؤوليات الجديدة.
الاستمرار لا يعني التمسك بالطريقة نفسها إلى الأبد، بل قد يعني تعديلها.
إذا لم يعد لديك وقت لساعة من الرياضة، فقد تصبح الجلسة الأقصر خيارًا أفضل من التوقف.
وإذا تغيرت قدرتك البدنية، فقد تحتاج إلى نشاط مختلف.
العادات التي تتكيف مع الحياة تكون أقدر على البقاء من الخطط الجامدة.
السر الثاني عشر: يقيسون النجاح على المدى الطويل
النتائج الصحية لا تظهر كلها بسرعة.
بعض التغييرات يمكن ملاحظتها خلال فترة قصيرة، بينما يرتبط جزء كبير من الوقاية والصحة طويلة المدى بما يتكرر عبر سنوات.
لذلك فإن الاعتماد على نتائج سريعة قد يكون محبطًا.
من الأفضل أحيانًا قياس التقدم بأسئلة أخرى.
هل أصبحت تتحرك أكثر مما كنت؟
هل أصبحت وجباتك أكثر توازنًا؟
هل نومك أكثر انتظامًا؟
هل أصبحت أقوى؟
هل تستطيع العودة إلى عاداتك بعد فترة انقطاع؟
هذه مؤشرات عملية على أن نمط حياتك يتحرك في اتجاه أفضل، حتى إذا لم يكن كل شيء مثاليًا.
ماذا عن الجينات؟
الجينات مهمة، وقد تؤثر في قابلية الإنسان للإصابة بأمراض مختلفة وفي كثير من الخصائص البيولوجية.
لكن الجينات ليست العامل الوحيد الذي يحدد الصحة.
العمر والبيئة والرعاية الصحية والظروف الاجتماعية والسلوكيات والتعرضات المختلفة كلها قد تشارك في تشكيل المخاطر الصحية.
لذلك من غير الدقيق القول إن الصحة الطويلة تعتمد بالكامل على نمط الحياة.
ومن غير الدقيق أيضًا التعامل مع التاريخ العائلي وكأنه يجعل العادات الصحية بلا فائدة.
الأفضل هو معرفة عوامل الخطورة الشخصية والعمل على العوامل التي يمكن التأثير فيها.
هل توجد عادة واحدة أهم من جميع العادات؟
لا توجد عادة واحدة تضمن الصحة للجميع.
الإقلاع عن التدخين مثلًا قد يكون أولوية صحية كبيرة جدًا لدى المدخن، بينما قد تكون زيادة النشاط هي الخطوة الأهم لشخص قليل الحركة.
وقد يحتاج شخص آخر أولًا إلى علاج مشكلة طبية أو نفسية تؤثر في قدرته على ممارسة حياته.
لذلك لا توجد قائمة واحدة مرتبة بالطريقة نفسها لكل إنسان.
الأولوية تعتمد على وضعك الحالي.
لماذا تفشل الخطط الصحية رغم معرفة فوائدها؟
لأن المعرفة وحدها لا تكفي دائمًا لتغيير السلوك.
قد يعرف الإنسان فوائد الرياضة، لكنه لا يجد وقتًا مناسبًا لها.
وقد يعرف أهمية الطعام المتوازن، لكن البيئة المحيطة به تجعل الخيارات المناسبة أصعب.
وقد يعرف أهمية النوم، لكنه يستخدم وقت الليل لإنهاء مسؤوليات لم يستطع إنجازها خلال اليوم.
لهذا فإن بناء الصحة يحتاج أحيانًا إلى تعديل البيئة والروتين، وليس مجرد إضافة المزيد من المعلومات.
بدل أن تسأل نفسك فقط: لماذا لا أملك إرادة كافية؟
اسأل أيضًا: ما الذي يجعل هذه العادة صعبة في حياتي، وكيف أجعلها أسهل؟
كيف تبني صحة تستطيع المحافظة عليها؟
ابدأ بعدد قليل من الأساسيات.
اختر حركة تستطيع تكرارها.
وابنِ نمطًا غذائيًا لا يعتمد على الحرمان المستمر.
وأعط النوم مكانًا حقيقيًا في جدولك.
وانتبه إلى الضغط النفسي والعلاقات.
وتابع الرعاية الوقائية المناسبة لحالتك.
ثم اسمح لهذه العادات بأن تتطور تدريجيًا بدل محاولة بناء حياة مثالية خلال أسبوع واحد.
أسئلة شائعة
هل الأشخاص الأصحاء لا يمرضون؟
لا.
اتباع نمط حياة صحي لا يمنح حصانة من الأمراض.
يمكن أن يصاب الإنسان بالمرض رغم اهتمامه بصحته، لأن المرض قد يتأثر بعوامل كثيرة لا يمكن التحكم فيها جميعًا.
العادات الصحية تساعد في دعم الصحة وتقليل بعض المخاطر، لكنها ليست ضمانًا.
هل يجب ممارسة الرياضة كل يوم؟
ليس بالضرورة.
المهم هو مستوى النشاط الإجمالي وتوزيعه بطريقة مناسبة، مع مراعاة نوع التدريب والحاجة إلى التعافي.
وبالنسبة للمبتدئ، يكون البدء التدريجي أكثر واقعية من إجبار النفس على تدريب شديد كل يوم.
هل يجب منع الحلويات والوجبات السريعة تمامًا؟
ليس بالضرورة بالنسبة لمعظم الناس.
النمط الغذائي العام أهم من التعامل مع كل طعام بصورة منفصلة.
وقد يكون النظام المرن الذي يعتمد أساسًا على أطعمة مغذية أكثر قابلية للاستمرار من نظام يقوم على المنع الكامل دون حاجة طبية.
هل يمكن البدء بعادة واحدة فقط؟
نعم، بل قد يكون ذلك أكثر عملية.
إذا كان نومك مضطربًا ونشاطك قليلًا وغذاؤك يحتاج إلى تحسين، فلا يلزم تغيير الثلاثة في اليوم نفسه.
ابدأ بالجانب الذي تستطيع التأثير فيه الآن، ثم أضف غيره تدريجيًا.
الخلاصة
الأشخاص الذين يحافظون على صحتهم لسنوات طويلة لا يملكون وصفة سرية.
والأهم أنهم لا يحتاجون إلى حياة مثالية.
الفكرة الأقوى هي بناء سلوكيات صحية قابلة للاستمرار والتكيف مع ظروف الحياة.
الحركة المنتظمة، والغذاء المتوازن، والنوم الكافي، والعناية بالصحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، والرعاية الوقائية كلها أجزاء من الصورة.
لكن ما يجعلها مفيدة على المدى الطويل هو أن تصبح جزءًا من الحياة، لا مشروعًا مؤقتًا يبدأ بحماس وينتهي عند أول انقطاع.
الخطوة التالية
لا تحاول إضافة عشر عادات جديدة هذا الأسبوع.
اختر عادة صحية واحدة تعرف أنها مهمة لك، ثم اسأل نفسك سؤالًا مختلفًا:
ما التغيير الذي يجعلني قادرًا على الاستمرار بهذه العادة لمدة عام، وليس لمدة أسبوع فقط؟
ابدأ من الإجابة، ثم اجعل خطوتك التالية صغيرة بما يكفي لتستمر.
تنبيه: المعلومات الواردة في هذا المقال للتثقيف والتوعية العامة، ولا تغني عن استشارة الطبيب أو المختص عند وجود أعراض مستمرة أو مشكلة صحية.
0 تعليقات